الاقتصاد المصري في 2026: عام التحوّل من إدارة الأزمات إلى اختبار الثقة

الاقتصاد المصري

الاقتصاد المصري


الاقتصاد المصري في 2026: عام التحوّل من إدارة الأزمات إلى اختبار الثقة

كتب: ا. د. وائل بدوى

لا يمكن قراءة آفاق الاقتصاد المصري في عام 2026 بمعزل عن العقد الأخير، الذي اتسم بتراكم الصدمات وتداخل الأزمات العالمية مع تحديات داخلية مزمنة. تقرير “آفاق الاقتصاد المصري 2026” لا يقدم أرقامًا فقط، بل يضع الاقتصاد الوطني أمام سؤال جوهري:

هل نجحنا في الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء الثقة؟

أولًا: مناخ عالمي مضطرب… ولكن أقل قسوة

    يؤكد التقرير أن العالم يتجه إلى مرحلة “الاستقرار الهش”، حيث لم تعد الصدمات عنيفة كما في سنوات الجائحة والحرب، لكنها لم تختفِ.
تباطؤ النمو العالمي، وارتفاع تكاليف التمويل، واستمرار التوترات الجيوسياسية، كلها عوامل تقلل من شهية المخاطرة عالميًا، وتضغط على الاقتصادات الناشئة.

بالنسبة لمصر، يعني ذلك أن فرص الاقتراض السهل تراجعت، وأن أي نمو قادم يجب أن يكون معتمدًا بدرجة أكبر على تحسين كفاءة الاقتصاد الداخلي، لا على التدفقات المالية السريعة.

ثانيًا: السياسة النقدية… ثمن الاستقرار

أحد أبرز ما يتوقف عنده التقرير هو أن الاستقرار النقدي في مصر جاء بتكلفة مرتفعة.
تشديد السياسة النقدية ساهم في كبح التضخم واستقرار سعر الصرف، لكنه في المقابل رفع تكلفة التمويل على المستثمرين، وأثقل كاهل القطاع الخاص.

عام 2026 يمثل نقطة مفصلية:
إما أن تبدأ السياسة النقدية في التحول التدريجي نحو دعم النمو مع الحفاظ على الاستقرار،
أو يستمر الضغط على النشاط الاقتصادي الحقيقي، ما قد يحد من قدرة الاقتصاد على خلق فرص عمل كافية.

ثالثًا: المالية العامة… معركة الأرقام الصعبة

يرى التقرير أن الحكومة المصرية حققت تقدمًا ملموسًا في ضبط المالية العامة، لكن هذا التقدم لا يزال هشًا.
خفض العجز وتحقيق فائض أولي لم يعودا خيارًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية في ظل ارتفاع الدين وتكلفة خدمته.

التحدي الحقيقي في 2026 لا يكمن في خفض الإنفاق فقط، بل في إعادة توجيهه:
من دعم غير موجّه إلى استثمار في التعليم، والبنية التحتية الإنتاجية، والاقتصاد الرقمي، بما يخلق عائدًا اقتصاديًا واجتماعيًا طويل الأجل.

رابعًا: النمو… الكمية ليست كافية

يشير التقرير إلى تحسن متوقع في معدلات النمو، لكن يطرح سؤالًا ضمنيًا بالغ الأهمية:
أي نوع من النمو نريده؟

النمو القائم على الاستثمارات العقارية أو المشروعات كثيفة رأس المال قد يرفع الأرقام، لكنه لا يحل معضلة البطالة أو ضعف الدخول.
أما النمو القائم على الصناعة، والتكنولوجيا، والتصدير، فهو الأبطأ في الظهور، لكنه الأعمق أثرًا.

خامسًا: القطاع الخاص… بين الفرصة والاختبار

يؤكد التقرير أن الدولة بدأت بالفعل في إعادة صياغة علاقتها بالقطاع الخاص، من خلال تقليص الدور المباشر، وفتح المجال للمنافسة، وتحسين الإطار التنظيمي.

لكن التحدي في 2026 لن يكون في إصدار قرارات جديدة، بل في تنفيذها على الأرض.
فالمستثمر لا يقيس الجدية بعدد القوانين، بل بسرعة التنفيذ، واستقرار السياسات، وعدالة المنافسة.

سادسًا: البعد الاجتماعي… النمو وحده لا يكفي

يلفت التقرير الانتباه إلى أن أي تحسن اقتصادي لن يكتمل دون انعكاس ملموس على حياة المواطنين.
خفض التضخم، وتحسين فرص العمل، وحماية الفئات الأكثر تأثرًا بالإصلاحات، هي شروط أساسية للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.

عام 2026 قد يكون عامًا حاسمًا في استعادة جزء من الثقة المجتمعية، إذا شعر المواطن بأن ثمار الإصلاح بدأت تصل إليه، لا أن الأعباء فقط هي التي توزَّع بعدالة.

سابعًا: سيناريوهان محتملان

وفقًا لمجمل المؤشرات التي يعرضها التقرير، يمكن تصور مسارين رئيسيين:

السيناريو الإيجابي:
استمرار الإصلاحات، تحسن الاستثمار الخاص، تراجع تدريجي للتضخم، ونمو أكثر شمولًا، ما يضع الاقتصاد المصري على مسار استقرار مستدام.

السيناريو السلبي:
تباطؤ الإصلاح، عودة الضغوط التضخمية، أو صدمة خارجية جديدة، ما يعيد الاقتصاد إلى دائرة إدارة الأزمات بدل الخروج منها.

الخلاصة: الثقة هي العملة الحقيقية في 2026

تقرير “آفاق الاقتصاد المصري 2026” لا يَعِد بمعجزات، لكنه يضع خريطة طريق واضحة:
الاستقرار تحقق جزئيًا، والنمو ممكن، لكن الثقة – ثقة المستثمر، وثقة المواطن، وثقة الشركاء الدوليين – هي العنصر الحاسم.

وفي عالم يتغير بسرعة، لن تُكافأ الدول التي تؤجل قراراتها، بل تلك التي تحسم خياراتها وتلتزم بها.

راندا رجبمؤلف

راندا رجب - المستشار الاعلامى وعضو المكتب الدائم بمنظمة الأمم المتحدة للإعلام

التعليقات معطلة